المغرب– يشهد القطاع الصحي بالمغرب تحولات تنموية كبرى، ضمن دينامية إصلاحية واسعة تهدف إلى تحديث المؤسسات الاستشفائية، توسيع العرض الصحي، وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. تعكس هذه المشاريع المبرمجة والأوراش الجارية توجهاً استراتيجياً نحو إعادة هيكلة المنظومة الصحية الوطنية، من خلال تشييد مستشفيات جامعية حديثة، وتعزيز المؤسسات الاستشفائية الجهوية والإقليمية، وإحداث مستشفيات للقرب، إلى جانب تأهيل آلاف المراكز الصحية وتطوير الموارد البشرية والرقمنة والحكامة، تنفيذاً للتوجيهات الملكية.
تتصدر العاصمة الرباط مشهد هذه التحولات، حيث تشهد إنجاز مشاريع استشفائية ضخمة، أبرزها المركز الاستشفائي الجامعي الدولي محمد السادس، الذي يمتد على مساحة 280 ألف متر مربع بطاقة استيعابية أولية تبلغ 600 سرير قابلة للزيادة، ويضم أكثر من 30 قطباً للتميز الطبي و24 قاعة عمليات مجهزة بتقنيات روبوتية. وبالتوازي، تتواصل أشغال بناء المستشفى الجامعي الجديد ابن سينا بالرباط بطاقة 1044 سريراً. هذه المشاريع لا تقتصر على الرباط، إذ أعلنت الحكومة عن استكمال 15 مشروعاً استشفائياً بحلول 2026، ستضيف نحو 3000 سرير، إلى جانب برنامج إحداث ستة مراكز استشفائية جامعية جديدة باستثمار يفوق 20.6 مليار درهم، تشمل مدناً مثل أكادير، العيون، بني ملال، كلميم والرشيدية، بهدف تعزيز العرض الصحي وتقليص الفوارق المجالية.
لا يقتصر الإصلاح على المستشفيات الكبرى، بل يولي اهتماماً بالغاً لتطوير الرعاية الصحية الأولية، حيث يستهدف برنامج وطني تأهيل أكثر من 3000 مركز صحي عبر مرحلتين، بهدف تحسين الخدمات الأساسية في المناطق القروية والنائية وتقريب العلاج من المواطنين. ويتجاوز هذا الإصلاح مجرد البناء والتجهيز ليشمل محاور متكاملة منها تأهيل الموارد البشرية، عبر توسيع طاقة مؤسسات التكوين الطبي وشبه الطبي، مع استهداف تكوين 177 ألف مهني صحي بحلول 2030. كما يركز الورش على تحسين الحكامة عبر إرساء المجموعات الصحية الترابية وتسريع التحول الرقمي لربط المؤسسات الصحية وتحسين تدبير المعطيات.
تكشف هذه المشاريع الطموحة عن رؤية شاملة لإعادة هيكلة المنظومة الصحية المغربية، رافعةً من طاقتها الاستيعابية ومحدثةً لتجهيزاتها وموسعةً لنطاق رعايتها. ومع ذلك، يظل نجاح هذا الورش مرهوناً بمدى انعكاس هذه الاستثمارات على جودة الخدمات المقدمة للمواطنين في حياتهم اليومية، وضمان توفر الأطر الطبية الكافية، وتحسين ظروف الاستقبال والتكفل بالمرضى، وتقليص الفوارق المجالية والاجتماعية في الولوج إلى العلاج. فالرهان الحقيقي يكمن في تحويل هذه المنشآت الحديثة إلى مؤسسات فعالة تضع المريض في صلب اهتماماتها وتضمن استمرارية وجودة الخدمات.
التعليقات